الغزالي
6
إحياء علوم الدين
هو التاجر في طريق الآخرة ، وإنما مطلبه وربحه تزكية النفس ، لأن بذلك فلاحها . قال الله تعالى * ( قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها وقَدْ خابَ من دَسَّاها ) * « 1 » وإنما فلاحها بالأعمال الصالحة . والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة ، إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله . وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح ، فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ، ويراقبه ثانيا ، ويحاسبه ثالثا ، ويعاقبه أو يعاتبه رابعا ، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا ، فيوظف عليها الوظائف ، ويشرط عليها الشروط ، ويرشدها إلى طرق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق ، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة ، فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال ، كالعبد الخائن إذا خلاله الجوّ وانفرد بالمال ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها ، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى ، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء ، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا ، مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبي ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء ، ولا خير في خير لا يدوم . بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم ، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشر ، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير ، ولذلك قيل : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا فحتم على كل ذي حزم آمن باللَّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه ، والتضييق عليها في حركاتها ، وسكناتها ، وخطراتها ، وحظواتها ، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها ، يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد . فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس ، كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته ، فيقول للنفس . ما لي بضاعة إلا العمر ، ومهما فني فقد فني رأس المال ، ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ،
--> « 1 » الشمس : 9 ، 10